ملا نعيما العرفي الطالقاني

29

منهج الرشاد في معرفة المعاد

التناسخ عندنا يتصوّر على ثلاثة أنحاء : أحدها - انتقال نفس من بدن إلى بدن مباين له ، منفصل عنه في هذه النشأة ، بأن يموت حيوان وينتقل نفسه إلى حيوان آخر أو غير الحيوان ، سواء كان من الأخسّ إلى الأشرف أو بالعكس ، وهذا مستحيل بالبرهان لما سنذكره . وثانيها - انتقال النفس من هذا البدن إلى بدن آخر ، وهو مناسب لصفاتها وأخلاقها المكتسبة في الدنيا ، فتظهر في الآخرة بصورة ما غلبت عليها صفاتها ، كما سينكشف لك عند إثبات المعاد الجسمانيّ ، وهذا أمر محقّق عند أئمّة الكشف والشهود ، ثابت منقول من أهل الشرائع والملل ، ولهذا قيل : « ما من مذهب وإلّا وللتناسخ فيه قدم راسخ » وعليه يحمل ما ورد في القرآن من آيات كثيرة في هذا الباب . وظنّي أنّ ما نقل عن أساطين الحكمة كأفلاطون ومن سبقه من الحكماء الذين كانوا مقتبسين أنوار الحكمة من مشكاة نبوّة الأنبياء سلام اللّه عليهم أجمعين ، من إصرارهم على مذهب التناسخ هو بهذا المعنى ، لما شاهدوا ببصائرهم بواطن النفوس والصور التي يحشرون عليها على حسب نيّاتهم وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ) ) « 1 » وشاهدوا أيضا كيف تحصل في الدنيا للنفوس ملكات نفسانيّة لتكرّر أعمال جسمانيّة تناسبها ، حتّى تصدر عنها الأعمال من جهة تلك الملكات بسهولة ، صرّحوا القول بالتناسخ ، ومعناه حشر النفوس على صور صفاتهم الغالبة وأعمالهم ، كقوله تعالى : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) ) « 2 » أي على صور الحيوانات المنتكسة الرؤوس ، وقوله : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) ) « 3 » وقوله : تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ) « 4 » وقوله : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ) ) « 5 » وقوله : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) ) « 6 » وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :

--> ( 1 ) - الكهف ( 18 ) : 49 . ( 2 ) - الإسراء ( 17 ) : 97 . ( 3 ) - التكوير ( 81 ) : 5 . ( 4 ) - النور ( 24 ) : 24 . ( 5 ) - فصّلت ( 41 ) : 21 . ( 6 ) - يس ( 41 ) : 65 .